الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
67
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
مفصلا ) ( 1 ) . " ما وسق " ( 2 ) : إشارة إلى عودة الإنسان والحيوانات والطيور إلى مساكنها عند حلول الليل ( بلحاظ كون الوسق بمعنى جمع المتفرق ) ( 3 ) ، فيكون عندها سكنا عاما للكائنات الحية ، وهو من أسرار وآثار الليل المهمة ، كما أشارت الآية ( 61 ) من سورة غافر إلى ذلك : الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه . إذا اتسق : من ( الاتساق ) ، وهو الاجتماع والإطراد ، وتريد الآية به ، اكتمال نور القمر في الليلة الرابعة عشر من الشهر القمري ، حيث يكون بدرا . ولا يخفى ما لروعة البدر في تمامه ، فنوره الهادئ الرقيق يكسو سطح الأرض ، وهو من الرقة واللطافة بحيث لا يكسر ظلمة الليل وسكونه ، ولكنه ينير درب سالكيه ! فهو آية كبرى من آيات الله ، ولذا جاء القسم به . وينبغي الالتفات إلى الصلة الموجودة فيما أقسمت الآيات بهن : ( الشفق ، الليل ، ما اجتمع فيه ، والقمر في حالة البدر ) وجميعها موضوعات مترابطة ويكمل بعضها البعض الآخر ، وتشكل بمجموعها لوحة فنية طبيعية رائعة ، وتحرك عند الانسان التأمل والتفكير في عظمة ودقة وقدرة الخالق في خلقه ، ويمكن للإنسان العاقل بتأمل هذه التحولات السريعة من التوجه إلى قدرته جل شأنه على المعاد ما يحمل بين طياته من تغيرات في عالم الوجود . والأمر المثير هو أن القرآن الكريم يشير هنا إلى أمور متتابعة الوقوع ، فعندما تغيب الشمس يظهر الشفق معلنا عن بداية حلول الليل ، الذي تتجه الكائنات الحية فيه إلى بيوتها ، ثم يخرج القمر بدرا تاما ( علما بأن البدر في ليلة تمامه يخرج مع
--> 1 - راجع تفسير الآيات ( 71 - 73 ) من سورة القصص . 2 - " ما " : موصولة ، واحتمال كونها ( مصدرية ) ضعيف ، ضميرها محذوف ، والتقدير : ( وما وسقه ) . 3 - وجاء " الوسق " ، أيضا بمعنى حمل بعير ، أو ستين صاعا ( وكل صاع يقرب من ثلاثة كيلوات ) ، وهو مأخوذ من الاجتماع أيضا .